التضمينات، أو كيف يصير المعنى هندسة
حوِّل الكلمة إلى قائمة أرقام، فتصير المسافة معنى.
امنح الكلمة إحداثيات، يكفّ التشابه عن كونه إحساساً، ويصير مسافةً تُحسَب.
الحواسيب لا تقرأ؛ بل تَعُدّ. ولذلك، قبل أن يصنع النموذج شيئاً نافعاً باللغة، لا بدّ أن تصير اللغة أرقاماً. التضمين هو تلك الترجمة: يأخذ كلمةً أو جملةً أو صورة ويربطها بمُتّجِه، قائمةٍ طويلة من الأرقام، تُعلّم نقطةً واحدة في فضاءٍ عالي الأبعاد. والفنّ كله في ترتيب ذلك الفضاء بحيث يعني الموضع شيئاً.
لماذا قائمة أرقام
تخيّل خريطةً مسطّحة، كل كلمةٍ فيها دبّوس. «القهوة» و«الشاي» متجاورتان؛ و«المجرّة» قصيّةٌ في ربعٍ آخر. التضمين الحقيقي يفعل هذا لا في بُعدين بل في مئاتٍ أو آلاف، فُسحةٌ أوسع بكثير للفصل بين ظلال المعنى التي قد تحملها الكلمة الواحدة. كل بُعدٍ سمةٌ خافتةٌ بلا اسم وجدها النموذج مفيدة؛ ومجتمعةً تُثبّت موقعاً من الدقة بحيث يُطابق القربُ التشابهَ حقاً.
والأهم أن أحداً لا يكتب هذه الأرقام بيده. يتعلّمها النموذج بقراءة كمياتٍ هائلة من النص، ملاحظاً أي الكلمات ترافق أيّها: وهو حدس اللغويين القديم: تعرف الكلمة بصحبتها. الكلمات المستعملة في سياقاتٍ متشابهة تنجرف نحو إحداثياتٍ متشابهة، فتنبثق الهندسة من الاستعمال، لا من المعجم.
يكفّ المعنى عن أن يكون تعريفاً تبحث عنه، ويصير موقعاً تقيسه.
المسافة تشابه، والاتجاه قياس
حين يسكن المعنى في الفضاء، تنهض عمليتان بمعظم العمل. المسافة تُجيب عن «ما أشبهُ شيءٍ بهذا؟» وهذا السؤال وحده هو المحرّك تحت البحث الدلالي والتوصية والعنقدة. وهو أيضاً خطوة الاسترجاع في RAG: يُضمَّن سؤالك، ويُبحَث المخزن عن أقرب المقاطع، فتُسلَّم للنموذج سياقاً. المطابقة على المعنى، ولهذا يظل سؤالٌ ومستندٌ لا يشتركان في كلمةٍ جارَين.
أما الاتجاه فيحمل ما هو ألطف. لأن النموذج يتعلّم بنيةً منتظمة، تصير علاقاتٌ بعينها حركاتٍ ثابتة عبر الفضاء: الخطوة من «الرجل» إلى «المرأة» توازي تقريباً الخطوة من «الملك» إلى «الملكة». فـ«الملك» ناقص «الرجل» زائد «المرأة» يهبط في جوار «الملكة». ليس سحراً ولا تامّاً، بل تجسيدٌ صافٍ لحقيقةٍ مُربِكة: العلاقات مُرمَّزة اتجاهاتٍ تُجمَع وتُطرَح. اضبط الهندسة، يصر الاستدلال في المعنى حساباً.